البرزخ السياسي .

المشرف الاثنين 20 يونيو
img
بقلم : عباس الحديدي  ، بغداد .

لا اعرف سبب الفضول الذي دفعني الى السير نحو تلك الحفره العميقة التي كانت تقطع الشارع الى نصفين منذ اخر مرة حفرتها امانه بغداد منذ خمس سنوات وربما زاد فضولي اكثر بعد ان كنت احمل قلمي ومفكرة اهداني اياها الاستاذ المحامي زهير الساعدي رغم اني شكرته ولكن لم يدرك للان من سذاجتي اني كنت اتصور ان المفكرة تحوي على صور اجدادي وصور رفاتهم والديون التي تركوها بذمتي .
أتتني وقتها فكرة خطرت ببالي لماذا لا اكتب عن ابن جارنا احمد ذو الثلاثة اعوام والذي سقط بالحفرة قبل عامين وسأنشر صورته مع قصيدة رثاء له في مواقع التواصل الاجتماعي ولكن تخليت عن عزمي وتذكرت ذلك الرجل الذي علق على صورة ابن عمي الشهيد بكلمة .الله منور ..(ما علينا منه يمكن بيه سحايه)
ووصلت الى تلك الحفره العميقة فهالني عمقها وقطرها الكبير وترحمت على الطفل احمد وقلت في نفسي بخبث لماذا لا تضع امانه بغداد المياه في هذه الحفره لتكون لنا بحيرة اخرى بعد الرزازة والثرثار وساوه وانا افكر انزلقت قدمي (اكيد امانه بغداد شورت بيه)
واذا انا اقع بتلك الحفرة والشيء الغريب اني ما زلت اهوى الى القاع ولكن دون جدوى واستمر سقوطي نصف ساعة الى ان ارتطمت بشيء
قد خفف اثر السقوط ولكني توجعت وصرخت كثيرا وانا مغمض العينين وبعد برهة فتحتها فقفزت من مكاني من هول ما رأيت فقد سقطت على رجل منتفخ البطن وادركت لماذا لم تتكسر عظامي فالتفت واذا بالكثير من الناس وكلهم دماء والكثير يضع رأسه جنب يديه وهو جالس كدت اصاب بالجنون فأنا من مناصري نظرية الساتاغراها الا عنف التي تبناها غاندي
واذا بأحدهم ربت على كتفي من الورأء فالتفت واذا به مطعون في بطنه والدماء تغطي ملابسه
فقال لي اراك سليما معافى فهل انت حي يرزق ام من الاموات فصدمت بسؤاله ولكن تجرأت قليلا وحكيت له حكايتي فقال لا تخف الناس هنا كلهم اموات وهذا المكان يدعى البرزخ فتعال معي لأعرفك بهولاء
فطلبت منه ان يعرفني اولا على الرجل الذي سقطت عليه فقلت له اشعر بالذنب لاني سببت له الالم فقال يا بني هو ميت لا يشعر بالألم كما المسؤول عندكم لا يشعر بحاجة الفقراء فأقتربنا من الرجل وقال اسأله
فقلت له ما سبب موتك قال كنت اسير بسيارتي على الجسر واذا بأنتحاري (وأومأ بيده على شخص تقطع جزءه السفلي )فجر نفسه على الجسر فتهدم الجسر وغرقت انا وسيارتي .
فذهبت الى ذلك الانتحاري وكان ذو لحيه كثة تدل على انه عاش قبل عصر الحلاقه فسألته لما فجرت نفسك وقتلت هذا والكثير من الناس فقال لي
ان الدعاة عندنا قالوا لن تتحرر فلسطين الا من خلال تفجير هذا الجسر فقلت سأذهب شهيدا ففجرت نفسي ولم اعلم انهم يكذبون علينا فهذا وذلك الرجل وذلك الطفل ماتوا بالتفجير ولكن بعد ان عايشتهم هنا وجدتهم اقرب الى الله من الدعاة.
فأخذ الرجل بيدي واخذ يشرح لي سبب موت هولاء وهولاء الا ان مررت بأشخاص يجلسون يتسامرون فقلت له من هولاء
فقال هولاء الواحد قتل الاخر فسألت احدهم لما قتلت رجل هو انسان مثلك فقال مرت علينا ايام قد تلاعب بنا الدعاة والساسه لاجل الدنيا فظننا ان الاخر كافر وقد اعمى الله بصيرتنا وزرعوا الحقد فينا فقتلت جاري وجاري الاخر قتلني وهولاء كما ترى هم ضحايا تلك الفترة التي مرت علينا ولكن هنا عرفنا كم نحن حمقى عندما صدقنا اولئلك الذين كانوا ينظرون الواحد ضد الاخر بالاعلام ويحرضون على القتل وكنت اتصور انهم يقاتلون مثلنا ولكن للان انتظر احدهم يأتي هنا او من ذويه ولكن دون فائدة.
تذكرت بعد ان انهى كلامه كيف ان اللصوص من الطرفين كانوا يسرقون قوت الشعب واذا كشفهم الناس قالوا يحاربوننا لاننا من المذهب الاخر .
ورأيت الكثير من الرجال الغلاظ فقلت للرجل الذي معي من هولاء فقال هولاء مثلك سقطوا بالحفر التي حفرها مدير البلديه وهم منذ ذلك الحين ينتظرون قدومه للانتقام منه . فقلت للرجل دعني اسير بينهم لعلني اعرف احدهم وانا اسير وجدت مسؤولي في المعارضة للنظام السابق وبجانبه رجل وهما يأكلان اصابعهما ندما فحضنته كانت الدماء تسيل منه لانه قتل ايام النظام السابق فقلت له من هذا الذي معك قال هذا من رجال البعث نادم مثلي فقد كنا حصان طراودة لسدة الحكم لرجال همهم الدنيا .
تذكرت كيف اجلس معه ونتناقش للاطاحة بالنظام وكيفيه تثقيف الناس فعضضت اصبعي انا الاخر وتركتهم يأكلون اصابعهم.
واذا انا اسير واذا برجل كبير يضع سدارة على رأسه
لم اكتشف ملامح وجه فسلمت عليه فرفع رأسه واذا به الفنان سليم البصري وقد انهكه التفكير فقبلته فقال لي اتعرف معنى ان يستجدي الفنان لقمته
اتعرف معنى ان ينزوي اصحاب الفن الاصيل ليصعد على هرم الفن اولئلك الذين لا يمتون للفن بصله
يا بني كنت ارى الكثير ممن حولوا الفن الى مهنة للتجارة بذوق هو اقرب الى النتانه فقتلتني الحسره فلم يتمالك نفسه فبكى كثيرا فقبلته وذهبت الى الرجل فقلت له كيف الخروج من هنا فقال سأدلك على طريق يأوي الى هنا لا يعرفه سوى الفقراء فودعته وسلمت عليه وسرت بالطريق ساعات طويلة الى ان وصلت احدى المنهولات القريبة من الارصفة فوجدت الناس يلتحفون جلودهم بالبرد القارس .
وعدت الى البيت متعب جدا وفي صباح اليوم التالي
أتى مدير البلديه( الذي بقي في منصبه ما بعد سقوط النظام الى الان نتيجه تسلط اقاربه )ليعالج الحفرة مع كادر عمله وفجأة انزلقت قدمه وسقط بالحفرة
بخبث كبير تذكرت اولئك الرجال الغلاظ الذين ينتظرون قدومه. .

اقرأ أيضا